الشيخ محمد رشيد رضا

13

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أقول : وقد تقدم في تفسير 2 : 125 ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) أن بعضهم يقول : ان مقامه عبارة عن موقفه حيث ذلك الأثر للقدمين وان هذا ضعيف . والكلام هنا في أن مقام إبراهيم مشتمل على ما ذكر من الأثر ، وهذا هو الصحيح أما الأثر نفسه . فقد كانت العرب تعتقد أنه أثر قدمي إبراهيم ، كما قال أبو طالب في لاميته : وموطىء إبراهيم في الصخرة رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل وقد يؤخذ من قوله « رطبة » أن الصخرة كانت عندما وطئ عليها رطبة لم تتحجر ثم تحجرت بعد ذلك وبقي أثر قدميه فيها . وعلى هذا لا يظهر معنى كونه آية الا على الوجه الذي جرينا عليه في تفسير « آيات بينات » دون ما جرى عليه الجمهور من كون الآيات بمعنى الخوارق الكونية . وقد يكون مراده أنها كانت رطبة كرامة له‌و هو ما جرينا عليه في تفسير القصيدة في المنار - ص 465 م 9 ) وقال بعضهم . ان « مقام » مصدر بمعنى الجمع ، والمراد مقامات إبراهيم ، أي ما قام به من المناسك وأعمال الحج . والمتبادر ما ذكرناه في موضعه ومما عدوه من الآيات . قصم من يقصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل ويرد عليهم ما كان من الحجاج ومن هم شر من الحجاج في هذا الزمان ، وعدم تعرض ضوارى السباع للصيودفيه . وهذا القول ظاهر الضعف ؛ إذ ليس ذلك آية وعدم نفرة الطير من الناس هناك . ويرد عليه أن الطير تألف الناس لعدم تعرضهم لهذا . ولذلك نظائره في الأرض ، وانحراف الطير عن موازاته وليس بمتحقق ، وكون وقوع الغيث فيه دليلا على الخصب ، فإذا عمه كان الخصب عاما وإذا وقع في جهة من جهاته كان الخصب في تلك الجهة من الأرض ، وهي آية وهمية ولعمري إن بيت اللّه غنى عن اختراع الآيات وإلصاقها به مع براءته منها . فحسبه شرفا كونه حرما آمنا ومثابة للناس وأمنا ومباركا وهدى للعالمين ، وما فيه من الآيات التي ذكرها اللّه وإقسامه تعالى به وما ورد عن رسوله في حرمته وتحريمه وفضله ، ككونه لا يسفك فيه دم ولا يعضد شجره ، ولا يختلى خلاه أي لا يقطع نباته ولا ينفر صيده ولا تملك لقطته ، وكون قصده مكفرا للذنوب ما حيا للخطايا ، وكون